ليس كل ما يروى عن النزوح في لبنان يروى. فإلى جانب الأرقام الرسمية والمخيمات والمراكز المعلنة، ثمّة عالم صامت لنازحين مخفيين لم تسجل أسماؤهم في أي منظمة، ولا يطلبون المساعدة، بل يستدينون لكيلا يظهروا بمظهر الفقراء. هذا العالم كشفته ممارسة ميدانية امتدت لثلاث سنوات، لم تنتظر فيها الأيادي البيضاء دور الدولة، بل بنت نموذجًا خاصًا للأمن الاجتماعي ربطته مباشرة بما يعرف بالاقتصاد الصامد، مؤكدةً أن الأول دون الثاني لا قيمة له في زمن الحروب والحصار.
حرب لم تبدأ في عام 2023
الحرب لم تبدأ في عام 2023، كما يحاول البعض اختزال المشهد. بل سبقتها حرب اقتصادية منهجية انطلقت عام 2019، استهدفت القطاع المصرفي بصفته أحد أهم أعمدة الاقتصاد اللبناني. لم تكن تلك الحرب مجرد انهيار مالي، بل كانت موجّهة بدقة نحو أصحاب أكبر الودائع وأكثر المستفيدين من تحويلات المغتربين التي كانت تصب بأغلبها نحو الجنوب اللبناني. واستخدمت العقوبات الدولية كأداة ضغط إضافية ضمن هذه الحرب الاقتصادية، قبل أن تتحول المواجهة في عام 2023 إلى حرب عسكرية مكشوفة. ومع ذلك، ظل تأثير الحرب الاقتصادية على تحويلات المغتربين محدودًا، بفضل صمود الأفراد وتماسك العلاقات العائلية التي تجاوزت محاولات القطع.
النازح المخفي: أزمة الكرامة قبل الجوع
وسط هذا المشهد، ظهرت فئة لم تنتبه إليها تقارير الإغاثة التقليدية: النازحون المخفيون. إنهم أشخاص لا يستطيعون العيش في المدارس ومراكز الإيواء، ليس لأنهم يملكون بديلًا، بل لأن عزّة النفس تمنعهم من الظهور كنازحين رسميين. لقد استُنزف المستضيفون الأوائل تمامًا، وأصبحت الأسرة المضيفة غير قادرة على تقديم أي إعالة، خصوصًا عندما يكون النازحون من العائلة نفسها، مما يضاعف الأعباء النفسية والاقتصادية.
وصل الأمر بهؤلاء النازحين إلى أن يطلبوا المال بالدين من جيرانهم أو معارفهم، بدلًا من أن يتلقوه كمساعدة عينية. وهذا السلوك ليس مجرد خيار مالي، بل هو مقاومة يومية لسقوط الكرامة، وهو جوهر الأمن الاجتماعي الحقيقي.
من لقمة العيش إلى كرامة السكن
في زمن تنهار فيه الدول، تُبنى اقتصادات موازية لا هدف لها إلا بقاء الإنسان. وهنا يتجلى جوهر الأمن الاجتماعي كجزء لا ينفصل عن الاقتصاد المقاوم.
لم تبدأ المبادرة من فراغ. البداية كانت متواضعة: حصص غذائية تهدئ ألم الجوع. لكن سرعان ما اكتُشف أن النازح اليوم لا يخاف من المعدة الخاوية بقدر ما يرتعب من فكرة الطرد. فالنازح المستأجر لا ينام جائعًا، بل يرقد مرعوبًا من إخلاء منزله.
ومن هذا المنطلق تجاوزت المبادرة إعادة ترتيب الأولويات إلى الفعل المباشر: إنفاق شهري يبلغ 75 ألف دولار، يوزَّع بمعدل 300 إلى 500 دولار لكل نازح، في نطاق جغرافي ممتد بين عرمون والجنوب والضاحية إلى كسروان. تارةً كإيجارات لثلاثة عشر منزلًا، وتارةً كستة منازل مجانية، وتارةً كأموال نقدية لتغطية الكهرباء والإنترنت، وأحيانًا كثيابٍ وأدوات نظافة تحفظ للإنسان كرامته قبل جسده.
هذا ليس إغاثة عابرة. إنه استثمار في أمن اجتماعي صامد، لأن النازح الذي يحمي سقفه اليوم هو منتج قادر على بناء الغد.
من المساعدة إلى الإنتاج عبر الدين الحسن
أدرك القائمون على هذا العمل أن الاستمرارية لا يمكن أن تعتمد على الهبات مهما كبرت. لذلك جرى الانتقال من منطق المساعدة إلى منطق إعادة التفعيل الإنتاجي. فهؤلاء النازحون لم يكونوا عالة على المجتمع قبل الحرب، بل كانوا فاعلين يملكون مهنًا حرة، لكن الحرب دمرت مكانهم ومصلحتهم، لا شخصهم ولا مهارتهم.
تشجيع العودة إلى المهنة الحرفية: لكل نازح مهنة، من حلاق ونجار وخياط وصاحب مصلحة صغيرة، ويجري العمل على إعادته إليها في مكان النزوح الجديد.
تقديم الدعم على سبيل الدين الحسن: تُقدَّم الأموال على شكل دين لا هبة. الهدف ليس استرداد المال، بل خلق شعور بالالتزام والإنتاجية. فمن يقترض ليعمل إنسان يستعيد كرامته، والغاية هنا نفسية واجتماعية قبل أن تكون مالية.
التأقلم في مكان النزوح: مساعدة النازحين على التكيف مع بيئتهم الجديدة، وإعادة تفعيل القديم في إطار جديد، بدلًا من العيش كمنتظرين أو كمتلقين سلبيين للمساعدات.
حتمية التكامل
لا يمكن فصل الأمن الاجتماعي عن الاقتصاد الصامد. فالأمن الاجتماعي وحده، في بلد مثل لبنان، معدوم الفعالية. لأنك حين تحمي جائعًا اليوم ولا تحمي سوقه غدًا، فأنت تطيل ألمه ولا تعالج علته.
ما يحدث اليوم ليس حربًا عسكرية فقط، بل حصار اقتصادي متكامل، آلياته واضحة: السيطرة على نقاط البيع لاحتكار المواد الأساسية، ومنع رجال أعمال محددين من الوصول إلى السوق، تمهيدًا للاستحواذ على التجزئة والتوزيع بالكامل.
إذًا، الاقتصاد الصامد والمتكامل ليس خيارًا ترفيهيًا، بل أولوية قصوى بلا بديل: استقطاب الأموال عبر لوبيات مؤثرة تعيد توجيه رأس المال من المضاربات إلى إنتاج حقيقي؛ وبناء لوبي اقتصادي قوي يفرض حضوره في الاقتصاد والتربية والصناعة، لأن الاقتصاد بلا تكامل قطاعي جسد بلا روح؛ وربط الأمن الاجتماعي بهذا التكامل، بحيث تصبح حماية النازح اليوم استثمارًا في يد عاملة منتجة غدًا، لا نفقة إنسانية تتبخر بآخر صفقة.
إن قراءة هذا النموذج الميداني تقود إلى استنتاج واحد: في زمن الحروب المركبة، حيث تُستخدم الأزمات الاقتصادية والسيطرة على الأسواق كأسلحة، يصبح الأمن الاجتماعي مجرد مسكن للآلام إن لم يكن جزءًا عضويًا من اقتصاد صامد شامل. أما الاستمرارية فمرهونة بتحويل هذا الجهد الفردي إلى سياسات وطنية تضع الاقتصاد الصامد في صلب أي خطة للخلاص.
